ابن عربي
80
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فيضيفون ما هم فيه إليها . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 20 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) « مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ » وهو النصيب الأخروي وأجرها « نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ » فنوفقه للعمل الصالح ، فلا يزال ينتقل من خير إلى خير في خير ، فمن حسنة إلى حسنة ، فإذا كسب الآخرة نال ما اقتضاه العمل ، والزيادة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فينال في الآخرة جميع أغراضه كلها ، وزيادة ما لم يبلغه غرضه ، والآخرة هنا هي الجنة ومن دخلها ، والحسنة هي حرث الآخرة في الدنيا ، فإن الدنيا منزل لا يمكن أن ينال أحد فيه جميع أغراضه ، بل يؤتيه اللّه منها ، وأما الآخرة وهي الجنة فهي منزل ينال السعيد فيها جميع أغراضه كلها وزيادة من غير توقف « وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا » وهي فانية ، وفرح بها وآثر نصيب الدنيا على نصيب الآخرة لاستيلاء الغفلة عليه ، فمن أراد حرث الدنيا فما يجني إلا ثمرة غرسه لا غير ، فقال تعالى : « نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » [ اعتبار ووصية : نزّه نفسك عن الدنيا وأوضارها : ] - اعتبار ووصية - نزّه نفسك عن الدنيا وأوضارها ، واجعلها خادمة لك ولرعيتك ، أي جوارحك وقواك ، وما الدنيا إلى جانب منصبك الذي أهلك اللّه إليه ، المقدس عن تعلق الكونين به ؟ ! فكيف عن الدنيا التي مقتها اللّه تعالى ، وما نظر إليها من حين خلقها ؟ ! وناهيك من تشبيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إياها بالجيفة والمزبلة ، مع إخباره أنها لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ، وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان من ذكر اللّه ، فيجمل بهمة خليفة مثلك ، قد خلقه اللّه نورا ، جوهرة يتيمة ، أن يلحظ ببصره أو بطرفه إلى جيفة أو مزبلة أو يتكالب عليها ؟ ! وقد قال تعالى : يا دنيا اخدمي من خدمني ، واستخدمي من خدمك ، فالدنيا وفقك اللّه تطلبك حتى توفيك ما قدّره لك من استخلفك ، من جاهك ورزقك وأرزاق رعيتك ، فأجمل في الطلب ، واسع في تخليص رعيتك وتخليص نفسك باشتغالك بما كلفك من استخدمك من الأوامر والنواهي والحدود ، فعليك بالإعراض عن الدنيا تأتيك خادمة راغمة ، والذي يصل إليك منها وأنت مقبل عليها ، هو الذي يصل إليك وأنت معرض عنها ، ذكر كعب الأحبار أن اللّه تعالى ذكر في التوراة : يا ابن آدم إن رضيت بما قسمت لك أرحت